الشيخ محمد رشيد رضا
300
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبطلانه بديهي ، فان الكاتب للمعاني الروحية لا يجب ان يكون روحيا ، والكاتب في الفضائل لا يقتضي العقل ان يكون فاضلا . وقد كان في مصر كاتب من أبلغ كتاب العربية في الاخلاق والفضائل ، ومع هذا وصفه بعض عارفيه بقوله « ان حروف الفضيلة تتألم من لوكها بفمه ، ووخزها بسن قلمه » وان الروحانية التي نجدها في إنجيل برنابا وما فيه من تقديس اللّه وتنزيهه ، ومن الافكار والصلوات ، لهو أعلى وأشد تأثيرا في النفس من إنجيل يوحنا ، ويزعمون مع هذا كله انه قصد به غش الناس وتحويلهم عن التثليث والشرك إلى التوحيد والتنزيه ! ! ان هذا المسلك الأخير الذي سلكه بوست في الاستدلال على صحة نسبة إنجيل يوحنا اليه يقبله المقلدون لعلماء اللاهوت عندهم بغير بحث ولا نظر ، والناظر المستقل يراه يؤدي إلى بطلان نسبته اليه لأسباب أهمها ثلاثة ( 1 ) أنه جاء بعقيدة وثنية نقضت عقيدة التوحيد الخالص المقررة في التوراة وجميع كتب أنبياء بني إسرائيل ، وقد صرح المسيح بأنه ما جاء لينقض الناموس بل ليتممه . وأصل الناموس وأساسه الوصايا العشر ، وأولها وأولاها بالبقاء ودوام البناء وصية التوحيد ( 2 ) مخالفته في عقيدته وأسلوبه لكل ما هو مأثور عن جماعته وقومه قبل المسيح وبعده ( 3 ) مخالفته للأناجيل التي كتبت قبله في أمور كثيرة ، أهمها تحاميه ما ذكر فيها من الاعراض البشرية المنسوبة إلى المسيح مما ينافي الألوهية كتجربة الشيطان له وخوفه من فتك اليهود به ، وتضرعه إلى اللّه خائفا متألما ليصرف عنه كيدهم وينقذه منهم ، وصراخه وقت الصلب من شدة الألم - إلى غير ذلك . ومن تأمل أساليب الأناجيل وفحواها يرى أن إنجيل يوحنا غريب عنها ، ويجزم بأن كاتبه متأخر سرت اليه عقائد الوثنيين ، فأحب ان يلقح بها المسيحيين ونقول ( ثالثا ) إذا فرضنا ان موافقة بعض أهل القرن الثاني لهذا الإنجيل في روح معناه يعد شهادة له بأنه كان موجودا في منتصف القرن الثاني ، فأين الشهادة التي تثبت انه كان موجودا في القرن الأول والصدر الأول مما بعده ؟ ثم تبين لنا من تلقاه عنه حتى وصل إلى أولئك الذين اقتطفوا من روحه بعد كتابة ما تقدم راجعت ( اظهار الحق ) فرأيته استدل على أن إنجيل يوحنا